auliban.com en page d'accueil انضم الينا أضف موقعك|اتصل بنا الصفحة الرئيسية
 
فنان / شوشو

 شارك برأيك auliban.com Facebookauliban.com twitter 40 عاماً على رحيل شوشو.. موت فنان وموت مدينة
    

صُوَر قليلة تحتلّ ذاكرة طفولية. قبل أقلّ من عامين على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (13 نيسان 1975)، أذهبُ مع الأهل إلى مبنى وسط بيروت لمُشاهدة مسرحيّة للأطفال. قريبٌ للوالدة ينتظرنا عند مدخل المبنى لتسليمنا بطاقات الدخول. نجلس في أمكنة مخصّصة بنا. تُرفع الستارة. تبدأ الحكاية. يظهر رجل بشاربين كثّين، ونحول جسد، وخفّة حركة. يظهر رجل بنبرة غريبة، لم أتبيّن سرّها لحظتها. يظهر رجل برغبة صادقة وجميلة وحيوية في إضحاك أطفال يملأون القاعة كلّها، وينشرحون أمام براعة تُتقن «فنّ» الإضحاك.

أعلمُ لاحقاً أن الرجلَ ممثّلٌ يُدعى شوشو. أن المبنى يحمل اسم «مسرح شوشو». أن المسرحية هي «ألف باء» (1973)، وأن أغنيتها المشهورة تحفر عميقاً في الذات والروح: «ألف با وبوبايه/ قلم رصاص ومحّايه/ أنا بكتب على اللوح/ وإنتو بتقرو ورايه». أعلم لاحقاً أن قريبَ الوالدة مؤلّفُ العمل، واسمه فارس يواكيم. أن بيروت مدينةُ الممثل، وأن «فنّ» الإضحاك مهنةٌ يجعلها حياة تنبض فرحاً وقسوة وخيبات، وأنه دربٌ إلى قلوب وعقول وانفعالات. أعلم لاحقاً أن الأداء الدراميّ لن يكون أقلّ براعة وجمالاً من الكوميديا، وأن له في الشاشة الصغيرة ملاذاً، وأن أعمالاً تلفزيونية وأفلاماً سينمائية جزءٌ من تاريخ حياتِيٍّ ـ فنِّيٍّ قصير. أعلم لاحقاً أن لحظة إعلان موته، بعد أشهر قليلة على جريمة بوسطة عين الرمانة، تُشكّل صدمة لأهل ومعارف.

شوشو. اسم واحدٌ يكفي لفهم زمن لبناني يُصارع قدره، حينها، كي لا ينغمس في الترهّل، عشية اندلاع «حرب الألف عام»، لكنه يفشل في معركته الأخيرة. الإضحاك عنده مرادفٌ لطيبة قلب مفتوح على إعمال مخيّلة لإبداع متفانٍ في ابتكار صُوَر وتقنيات ومعان خاصّة بشخصية مستلّة من واقع شعبيّ، ومأخوذة من صميم العيش على الحوافي القاسية للحياة. إضحاكٌ لا يقف حائلاً دون براعته في إتقان أدوار درامية، تنعكس فيها وبفضلها معالم التفاصيل الإنسانية. حضوره في العمل التلفزيوني «المشوار الطويل» (1972، سيناريو وحوار: فارس يواكيم. إخراج: الياس متى)، المستوحى من ثلاثية مارسيل بانويل (1895 ـ 1974) المؤلّفة من «ماريوس» (1929) و «فاني» (1931) و «سيزار» (1946)، يُعيدني إلى لحظة لقاء مسرحيّ به في مبنى «المسرح الوطني». أُشاهد المسلسل بعد أعوام على بثّه الأول. أراقب حركته. أستمع إلى نبرته. أتابع انسياق نحول جسده في تلافيف الحبكة، وداخل أعماق الشخصية. أحاول أن أتوغّل في خفّة حضوره، المرادفة لبراعة في تحويل عدسة الكاميرا التلفزيونية إلى إطلالة مُحكمة على أناس يحبّونه. بين «ألف باء» (التي أُشاهدها على خشبة المسرح قبل مشاهدتي المسلسل التلفزيوني هذا) و«المشوار الطويل» (المُشَاهَد لاحقاً على شاشة «تلفزيون لبنان»)، مسافة زمنية تضع المرء أمام انفصال حقيقيّ عن واقع «جميل» يرتطم بالموت: موت مدينة في لهيب حربها الأهلية، وموت فنان يظلّ حتى النَفَس الأخير متماسكاً مع ذاته، ومتشرّباً عشق المدينة ومسرحها الوطني (المتحوّل لاحقاً إلى مسرح يحمل اسمه هو)، ومعتنقاً أقصى الصدق في التعامل مع نفسه.

لا أتذكّر قائل هذا التعبير: «تأدية شوشو دوراً درامياً ـ هو المتألّق في الكوميديا ـ يتساوى وعبقرية التمثيل لدى المصري محمود المليجي». أيكون أحدُ أفراد العائلة المتشوّقة أبداً إلى اشتغالاته؟ أم نصٌّ نقدي مقروء في مكان ما، ذات يوم ما؟ المقارنات لا تجدي نفعاً أحياناً. لشوشو حضورٌ لا يتأثّر بآخرين. لشوشو عالمه المفتوح على أجمل معاني المواجهة، وأبهى رموز الحكايات: مواجهة سلطة بفسادها وتجبّرها وانهياراتها، وحكايات أناس يطلع منهم إليهم، ويرتبط معهم بانشداد إلى جوهر الحياة. لشوشو مكانة قوية وباهرة: المليجي نفسه يقول إن «المفاجأة في بيروت كامنةٌ في وجود عبقرية بحجم شوشو لم تستفد منها السينما العربية». أما عاصي الرحباني فله كلمة صائبة في «شارلي شابلن لبنان»: «شوشو عِمِل يلّي نحنا ما قدرنا نعملو».

تتداعى ذكريات ذاتية عشية الذكرى الـ 40 لرحيل حسن علاء الدين (2 تشرين الثاني 1975). في 13 تشرين الأول 1990، تنتهي الحرب الأهلية اللبنانية انتهاءً منقوصاً وهشّاً وهزيلاً. تُفتح معابر. تُزال أنقاض. تختفي متاريس. يُخبّأ سلاح. تتفكّك ميليشيات. يكتشف كثيرون أن هذه مجرّد صُوَر واهية، لم يحصل أي شيء عمليّ منها لغاية الآن. في البدايات الأولى لسلم أهلي مرتبك، يُطلّ خضر علاء الدين في واجهة المشهد البيروتي. يُعيد تقديم «آخ يا بلدنا» (مسرح البيكاديلّي). يُريد الإعلان عن عودته إلى لبنان بتكريم والده. يختار إحدى أهمّ مسرحيات الوالد (المأخوذة عن أوبرا «القروش الأربعة» لبرتولد بريخت، المأخوذة بدورها عن أوبرا «الشحاذين» لجون غابي. إخراج روجيه عسّاف). يُصفق له جمهور يملأ القاعة كلّها. يأتون إلى شوشو عبر ابنه.

كثيرون منهـــم يستعيدون زمناً أفل. هناك من يريد أن يفهــــم هذا الماضي، أو بعضه. «آخ يا بلدنا» صرخة فنية ضد فساد وقهر. العمل الأصـــليّ يُواجه تعنت سلطة. النسخة الثانية تقول للناس: «لم يتغيّر شيء». تُرى، لو يُعاد تقديمها الآن، ألن تكون مرآة شفّافة لواقع ميؤوس من إصلاحه؟

يموت شوشو لحظة اشتعال النار في مدينته ومسرحه وأهله. النار مستمرّة في حرق كل شيء. تمرّ 40 عاماً على رحيله. يحتفل البعض بذكرى أليمة كهذه. يُطالبون بتسمية شارع بيروتي باسمه، على الأقلّ. لا يُريدون شيئاً آخر. يلتقون كي يستعيدوا بعض المنتهي في أزمنة ماضية. كي يقولوا حبّاً لشوشو.

نديم جرجوره تنظّم «دار الندوة» و «الجبهة الموحدة لرأس بيروت» و «دار نلسن للنشر» ندوة حول شوشو، 6 مساء اليوم الثلاثاء 19 أيار 2015 في «دار الندوة» (شارع بعلبك، خلف مسرح البيكاديلي، الحمرا)، يُشارك فيها كلٌّ من هند طاهر ومحمد كريّم وفارس يواكيم ولامع الحرّ وخضر علاء الدين، يُديرها ويُقدمها سليمان بختي. يتخلّل الندوة عرض فيلم قصير لفرح شيا، يتضمّن مقتطفات من أعمال الفنان.

Haut de page 19/05/2015 / --السفير— نديم جرجوره

جميع الحقوق محفوظة اوليبون ليمتد © اوليبون دوت كوم  أضف موقعك  |  أتصل بنا الصفحة الرئيسية